المدونة المنوعة بالفائدة
عاجل
المدونة المنوعة بالفائدة

إيلون ماسك والنقابات السويدية: معركة خاسرة للنقابات أم نموذج صمود؟

حكيم نوري تعليق
حجم الخط:
إيلون ماسك والنقابات السويدية: معركة خاسرة للنقابات أم نموذج صمود؟

في عالم الصحافة، غالباً ما نندفع لتغطية القصص فور ظهورها، مسلطين الضوء على أهميتها اللحظية، ثم ننتقل إلى ما بعدها. لكن تأمل نهايات القصص يحمل قيمة حقيقية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بنزاعات معقدة مثل المواجهة التي دارت رحاها قبل ثلاثة أعوام بين الملياردير إيلون ماسك وحركة النقابات العمالية في السويد.

جذور الصراع

بدأت القصة في عام 2023 عندما دخل فنيو شركة تسلا في السويد في إضراب، احتجاجاً على رفض الشركة توقيع اتفاقية جماعية مع نقابتهم، «آي إف ميتال» (IF Metall). وسرعان ما انضمت نقابات أخرى، حيث توقف عمال البريد، وعمال جمع النفايات، وعمال تفريغ السيارات في الموانئ عن العمل دعماً للمضربين.

كانت المخاطر جسيمة على الطرفين. من جهة، لم يكن ماسك يرغب في ترسيخ سابقة تعترف بالنقابات في أي من شركاته حول العالم. ومن جهة أخرى، لم تكن النقابات السويدية مستعدة للسماح لشركة تسلا بتقويض نموذج سوق العمل الفريد في بلادهم، والذي يقوم على التفاوض الجماعي بين أصحاب العمل والنقابات لتحديد قواعد العمل، بدلاً من الاعتماد على اللوائح الحكومية وحدها.

نتائج المعركة: انتصار ظاهري؟

انصب اهتمام الصحفيين على هذه المعركة، ووصف ماسك الموقف حينها بـ «الأمر الجنوني». والآن، وبعد مرور أكثر من ألف يوم على بدء الإضراب، أعلنت نقابة «آي إف ميتال» في صيف هذا العام عن إنهاء الإضراب. والسبب؟ قامت تسلا بشراء حصص جميع الأعضاء المضربين. وكما علق فيلي-بيكا سايكالا، سكرتير المفاوضات الجماعية في اتحاد النقابات العمالية السويدية (LO)، بعبارة بليغة: «لا توجد نقابة مضربة بغياب العمال المضربين».

ماذا يعني انتصار ماسك للحركة العمالية؟

على الساحة العالمية، لا تبدو هذه النتيجة مشجعة على الإطلاق للحركة العمالية، ولأولئك الذين يطمحون لكبح جماح عمالقة التكنولوجيا. فإذا كانت واحدة من أقوى الحركات النقابية في العالم، والتي تتمتع بمستويات عضوية عالية وموارد مالية ضخمة وبيئة مؤسسية داعمة، عجزت عن إجبار تسلا على التفاوض، فماذا عن النقابات في بلدان أخرى؟

تذكر التجربة الأمريكية، حيث حققت النقابات العمالية ما اعتقدت أنه انتصار تاريخي في عام 2022 بتشكيل نقابة لعمال مستودع أمازون في ستاتن آيلاند. لكن بعد أكثر من أربع سنوات، لم تصل أمازون بعد إلى مرحلة التفاوض لتوقيع أي عقد.

النموذج السويدي: صمود رغم الصعاب

رغم أن «النموذج السويدي» لم يتمكن من كسر إيلون ماسك، إلا أنه يبدو أن ماسك لم ينجح أيضاً في كسر هذا النموذج. فبينما أعرب مسؤولو النقابات عن قلقهم من أن تشكل تجربة تسلا سابقة خطيرة، استمد آخرون العزاء من استمرارهم في توقيع اتفاقيات جماعية مع شركات أخرى، بما في ذلك شركات تكنولوجيا المستقبل. فبعد عام من المفاوضات، بما في ذلك التلويح بالإضراب، وقعت شركة «كينج»، مطورة لعبة كاندي كراش، اتفاقية جماعية مع النقابات السويدية الشهر الماضي.

يرى جرمان بيندر، الباحث في مركز «أرينا إيدي»، أن إضراب تسلا كان مهماً لأنه يمثل رمزاً للتحول الأخضر. لكنه يضيف: «الإضراب انتهى، وخسرت النقابة، ولم ينهار النموذج السويدي».

نقابيون منفتحون على التكنولوجيا

لو سارت الأمور بشكل مختلف وخسر ماسك، لكان قد أتيحت له فرصة فهم نمط مختلف تماماً من العمل النقابي. فبخلاف النمط الأمريكي الذي يعرفه ويكرهه، يتميز النقابيون السويديون بانفتاحهم على التكنولوجيا. تقول سوزان شورمان، أستاذة دراسات العمل في جامعة روتجرز، إن النقابات الإسكندنافية تدرك أهمية قدرة أصحاب العمل على المنافسة في الاقتصاد القائم على التصدير. فهي لا تركز على كبح التكنولوجيا، بل على دمجها بطرق تعزز تنافسية الشركات وتضمن حصول الأعضاء على حصتهم العادلة من الأرباح، وهو ما تفتقر إليه النقابات الأمريكية تاريخياً.

لم تقم النقابات القوية في الدول الإسكندنافية بتقييد الشركات في تطبيق أحدث التقنيات. فالسويد، المعروفة بوادي السيليكون الأوروبي، ودول مثل الدنمارك وفنلندا، تتصدر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تبني الذكاء الاصطناعي.

وكما عبر أحد النقابيين السويديين ببراعة: «نحن لا نخشى التكنولوجيا الجديدة، بل نخشى التكنولوجيا القديمة». وهو شعور قد يتفق معه إيلون ماسك، لو كان مستعداً للاستماع.

التعليقات