في عالم تقني يتقدم بوتيرة مذهلة، شهدنا مؤخرًا إنجازًا علميًا قد يغير نظرتنا لعالم النباتات بشكل جذري. فقد تمكنت شركة ناشئة تدعى "Electric Plant" من تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متقدم قادر على فك شفرة "لغة" النباتات، والتي تتواصل بها عبر إشارات كهربائية دقيقة.
بدأت القصة مع جاستن ماست، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Electric Plant، عندما قرأ عن تجربة علمية مثيرة للاهتمام لنبات منزلي تم توصيله بنظام آلي. حينما احتاج النبات للمزيد من الضوء، أرسلت أنسجته الحية إشارات كهربائية تم استشعارها بواسطة لوحة تحكم، والتي قامت بتدوير النبات ليقترب من مصدر الضوء. هذا الاكتشاف كان بمثابة "بوابة" لماست للدخول في عالم أبحاث النباتات الكهربائية.
بالشراكة مع لي فون كراوس، عالم الأعصاب الذي عمل سابقًا مع وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، أمضت Electric Plant السنوات الثلاث الماضية في جمع كميات هائلة من البيانات. الهدف كان بناء نموذج لغوي كبير، أطلقوا عليه اسم "بومبادل" (Bombadil)، قادر على تحليل الإشارات الكهربائية الدقيقة التي تسري في ساق النبات، وترجمة هذه الإشارات إلى معلومات واضحة حول احتياجات النبات للمزارعين.
يعتقد المؤسسون أن نموذجهم هذا قد يمهد الطريق لأدوات تسمح للبشر بـ "التحدث" مع النباتات. "نحن نستمع أكثر مما نتحدث، لكن الاستماع هو الخطوة الأولى"، هكذا علق ماست. وقد نجحت الشركة مؤخرًا في جمع تمويل تأسيسي بقيمة 11.2 مليون دولار، بقيادة Onto Ventures و Climactic، وبمشاركة مستثمرين آخرين.
حتى في البيوت الزجاجية الأكثر تحكمًا، يفتقر المزارعون إلى رؤية كاملة لاحتياجات نباتاتهم. تقليديًا، اعتمد المزارعون على أدوات تقريبية للكشف عن احتياجات النباتات من الماء أو المغذيات أو الضوء. ورغم فعالية أدوات مثل مجسات التربة، وأجهزة القياس الطيفي المحمولة، وصور الأقمار الصناعية، إلا أنها تترك الكثير مما هو مرغوب فيه. "هذه التقنيات متطورة، لكن قدرتها على الوصول إلى ما بداخل النبات ليست متطورة بنفس القدر، ومعظم هذه الأدوات لا تزال متأخرة عن تلبية الاحتياجات الفورية للنبات"، كما أوضح ماست.
بدأت Electric Plant بتدريب نموذج "بومبادل" باستخدام هذه الأجهزة، وأصبح النموذج قادرًا على تفسير الإشارات الكهربائية في حوالي 125 نوعًا مختلفًا من النباتات. ويتوقع ماست أن يتفوق النموذج على العديد من هذه المعدات التقليدية. وتمتاز أجهزة الاستشعار التي طورتها الشركة بأنها أقل تكلفة بكثير من الأدوات الحالية التي تكلف آلاف الدولارات، حيث تبلغ تكلفتها بضعة عشرات من الدولارات فقط.
تُثبت أجهزة الاستشعار، التي يبلغ حجمها تقريبًا حجم هاتف آيفون مطوي طوليًا، في النبات باستخدام براغي من الفولاذ المقاوم للصدأ. تتغلغل هذه البراغي في طبقة "الكامبيوم" (نسيج حي تحت اللحاء مباشرة) للاتصال بالتغيرات الدقيقة في الفولت الميكروي داخل النبات. تُرسل البيانات المجمعة عبر شبكة لاسلكية منخفضة الطاقة إلى محطة أساسية.
تتطلب Electric Plant بضعة أجهزة استشعار فقط لكل فدان للحصول على نتائج دقيقة. تتم معالجة البيانات بواسطة "بومبادل" في السحابة، ثم تُرسل النتائج إلى العميل، الذي يمكنه استخدامها لتعديل جداول الري أو الأسمدة، على سبيل المثال. ويدعي ماست أن مثل هذا النظام يمكن أن يزيد الإنتاجية بنسبة تصل إلى 20% أو أكثر، مع تقليل استهلاك المياه.
ورغم أن ماست لم يكشف عن هوية العملاء الأوائل للشركة، إلا أنه من السهل تخيل تطبيقات واسعة في مجالات الزراعة والغابات. وقد شملت الأنواع المئة الأولى التي غطاها نموذج "بومبادل" مجموعة واسعة من أشكال النباتات، من السرخسيات، وأشجار الريدوود، والطماطم، وصولًا إلى زهور الداليا.
يصف ماست هذا الإنجاز بأنه "النموذج الأكثر تنوعًا على الإطلاق الذي تم إنشاؤه للإشارات الكهربائية البيولوجية"، مضيفًا: "لم يقم أحد بشيء مماثل في عالم الحيوان".