دوخة عند الوقوف: متى تكون مجرد عارض عابر ومتى تنذر بخطر على ضغط الدم؟
هل تشعر بدوار مفاجئ أو تشوش في الرؤية عند النهوض بسرعة من وضعية الجلوس أو الاستلقاء؟ قد تكون هذه الأعراض بسيطة وعابرة، لكن تكرارها قد يحمل مؤشرات تدعو للقلق بشأن قدرة الجسم على تنظيم ضغط الدم.
لا يعني الشعور بالدوخة عند الوقوف بالضرورة وجود مشكلة في ضغط الدم، إذ تتعدد أسبابها، وتكمن أهمية التفريق بين الحالة العابرة والحالة التي تستدعي تقييماً طبياً في توقيت ظهور الأعراض، وتكرارها، والعوارض المصاحبة لها.
لماذا يحدث الدوار عند تغيير الوضعية؟
عند الانتقال من وضعية الجلوس أو الاستلقاء إلى الوقوف، تتأثر حركة الدم بفعل الجاذبية، حيث يتجمع جزء منه في الساقين والبطن. يقوم القلب والأوعية الدموية بعملها لتعويض هذا التغير وضمان استمرار تدفق الدم إلى الدماغ. لكن إذا لم تكن هذه الاستجابة فعالة بالقدر الكافي، قد يحدث انخفاض مؤقت في ضغط الدم، مما يؤدي إلى ظهور أعراض كالدوار، تشوش الرؤية، الشعور بالضعف، وخفة الرأس، وفي بعض الحالات قد يصل الأمر إلى الإغماء.
توضح الدكتورة علياء أبو سليمان، أخصائية طب الأسرة، أن الدوخة ليست بالضرورة مؤشراً على انخفاض ضغط الدم، بل قد ترتبط بحالات أخرى مثل فقر الدم، سوء التغذية، أو نقص بعض الفيتامينات. كما أن الدوار الناتج عن الحركة أو السفر يختلف عن الدوار الذي يظهر بعد تغيير وضعية الجسم.
وتضيف الدكتورة علياء أن الأعراض المصاحبة تلعب دوراً حاسماً في التشخيص. فالدوار المقترن بطنين في الأذن أو أعراض أذنية قد يشير إلى اضطراب في جهاز الاتزان، بينما الدوخة المصحوبة بضعف أو تنميل في أحد جانبي الجسم تستدعي تقييماً طبياً عصبياً.
متى يكون انخفاض الضغط انتصابياً؟
تعرّف جمعية القلب الأمريكية انخفاض ضغط الدم الانتصابي بأنه هبوط مستمر في ضغط الدم الانقباضي بمقدار 20 ملم زئبقياً أو أكثر، أو في الضغط الانبساطي بمقدار 10 ملم زئبقياً أو أكثر، خلال الدقائق الثلاث الأولى من الوقوف. ووفقاً لبيان علمي نشر عام 2024، يزداد احتمال الإصابة بهذه الحالة مع التقدم في العمر، وقد تظهر أيضاً لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم.
الضغط الانقباضي هو القراءة الأعلى لضغط الدم، ويمثل الضغط داخل الشرايين عند انقباض القلب. أما الضغط الانبساطي، فهو القراءة الأدنى، ويمثل الضغط داخل الشرايين عندما يسترخي القلب بين الضربات.
الدوخة القصيرة التي تحدث مرة واحدة بعد النهوض السريع لا تشير بالضرورة إلى انخفاض ضغط انتصابي. لكن تكرارها بعد الوقوف، خاصة إذا صاحبتها رؤية ضبابية، ضعف، أو شعور بقرب الإغماء، يجعل قياس ضغط الدم أثناء تغيير وضعية الجسم أمراً ضرورياً.
تؤكد الدكتورة علياء أن الجفاف وقلة شرب السوائل من العوامل التي قد تساهم في انخفاض الضغط وظهور الدوخة، خاصة في الأجواء الحارة ومع التعرق، حيث يفقد الجسم السوائل وينخفض حجم الدم المتداول.
ويكون كبار السن أكثر عرضة للجفاف. كما أن بعض الأدوية، مثل مدرات البول وبعض أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم، قد تزيد من احتمالية هبوط الضغط لدى بعض المرضى. لذا، عند تكرار الدوخة لدى من يتناولون هذه الأدوية، ينبغي استشارة الطبيب لتقييم قراءات الضغط والعلاج ومستوى الترطيب، مع عدم تغيير الجرعات أو إيقافها دون استشارة طبية.
قد يرتبط انخفاض الضغط الانتصابي أيضاً بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب، والسكري الذي يؤثر على الأعصاب المنظمة لضغط الدم، ومرض باركنسون، واضطرابات الجهاز العصبي الذاتي التي تضعف قدرة الجسم على ضبط الضغط عند الوقوف.
وتزداد خطورة الدوخة عند الوقوف لدى كبار السن، إذ أن فقدان التوازن، حتى ولو لثوانٍ، قد يؤدي إلى السقوط، الإصابات، والكسور. وأظهرت مراجعة منهجية نُشرت عام 2024، شملت 184 دراسة، أن انخفاض ضغط الدم الانتصابي يزيد من خطر السقوط بنسبة 39% في غضون 12 شهراً، مما يؤكد أهمية تقييم اضطرابات القلب والأوعية الدموية لدى كبار السن المعرضين للسقوط.
لذلك، فإن الدوخة المتكررة أو السقوط غير المبرر لدى المسنين يستحق تقييماً طبياً، بدلاً من اعتبارهما جزءاً طبيعياً من التقدم في العمر.
متى تستدعي الحالة استشارة طبية؟
يُشخّص انخفاض الضغط الانتصابي بشكل أساسي من خلال قياس ضغط الدم في وضعية الاستلقاء ثم في وضعية الوقوف. وقد يحتاج القياس إلى التكرار في أوقات مختلفة إذا كانت الأعراض مستمرة رغم أن النتائج الأولية طبيعية. وفي حال استمرار الاشتباه وعدم ظهور الانخفاض في القياسات المعتادة، قد يلجأ الأطباء إلى اختبار الطاولة المائلة.
يبدأ التقييم الطبي بمراجعة الأدوية المتناولة والتاريخ المرضي. وقد يطلب الطبيب فحوصات إضافية بناءً على الأعراض والسبب المحتمل، مثل تحاليل الدم للكشف عن فقر الدم، فحوصات السكر والأملاح ووظائف الكلى، أو تخطيط القلب إذا لزم الأمر.
أما الدوخة التي تحدث نادراً بعد النهوض السريع وتزول في غضون ثوانٍ، ولا تتكرر، ولا يصاحبها إغماء أو أعراض أخرى، فيمكن التعامل معها بمراقبة الحالة، مع محاولة النهوض تدريجياً والحرص على شرب كميات كافية من السوائل.
يجب مراجعة الطبيب في الحالات التالية: تكرار نوبات الدوخة، أو إذا أدت إلى سقوط أو إغماء. وتتطلب الدوخة المصحوبة بضعف أو تنميل في جانب واحد من الجسم، أو اضطراب في الكلام، تقييماً طبياً عاجلاً.