المدونة المنوعة بالفائدة
عاجل
المدونة المنوعة بالفائدة

سرطان القولون في سن مبكرة: لغز الطفولة الذي يطارد الأمعاء

حكيم نوري تعليق
سرطان القولون في سن مبكرة: لغز الطفولة الذي يطارد الأمعاء

في السابق، كان يُعتبر سرطان القولون والمستقيم مرضاً يلوح في الأفق مع تقدم العمر، غالباً بعد سن الخمسين. لكن الأبحاث الحديثة تكشف عن ظاهرة مقلقة: ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً. هذه الظاهرة، التي يُشار إليها بـ "سرطان القولون والمستقيم المبكر"، ليست مجرد زيادة طفيفة، بل هي اتجاه وبائي يلفت انتباه العلماء حول العالم.

أظهر تحليل دولي موسع شمل بيانات من 50 دولة، ونُشر في مجلة "ذا لانسيت أونكولوجي"، أن الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر ارتفعت في 27 دولة، بل وتجاوزت معدلاتها لدى الفئات الأكبر سناً في 20 دولة. وفي الولايات المتحدة، أشارت بيانات الجمعية الأمريكية للسرطان لعام 2026 إلى ارتفاع سنوي يقدر بـ 2.9% في معدلات الإصابة لدى من هم دون الخمسين، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه الفئات العمرية الأكبر انخفاضاً.

الجينات ليست القصة الكاملة

عندما يُصاب شاب بالسرطان، غالباً ما تتجه الأنظار نحو الوراثة. ورغم وجود متلازمات وراثية تزيد الخطر، مثل متلازمة لينش، إلا أنها لا تفسر غالبية الحالات. تشير مراجعة في مجلة "نيتشر ريفيوز ديزيز برايمرز" إلى أن الاستعداد الوراثي المعروف لا يفسر سوى نسبة محدودة من المرضى. فضلاً عن ذلك، فإن التغيرات الجينية البشرية لا تحدث بالسرعة الكافية لتفسير هذا الارتفاع خلال عقود قليلة.

لذلك، يتجه العلماء إلى استكشاف عوامل أخرى: ما الذي تغير في بيئة الأجيال الحديثة؟ الغذاء، نمط الحياة، التمثيل الغذائي، وميكروبات الأمعاء؟

بدايات اللغز قد تعود إلى الطفولة

أحد أبرز الاكتشافات هو "تأثير جيل الميلاد"، الذي يشير إلى أن خطر الإصابة بالمرض بدأ يرتفع لدى الأجيال المولودة منذ النصف الثاني من القرن العشرين. هذا يطرح فكرة جوهرية: يجب ألا نكتفي بسؤال المريض عما تناوله في السنوات الأخيرة، بل عن تعرضاته خلال الطفولة والمراهقة وبداية الشباب.

فقد شهدت هذه الفترات تغيرات جذرية: تغير النظام الغذائي، انتشار السمنة في أعمار مبكرة، انخفاض النشاط البدني، الاستخدام المتزايد للمضادات الحيوية، وتغير البيئة التي تشكل ميكروبيوم الأمعاء. قد تكون هذه التغيرات مجتمعة هي الشرارة الأولى لسلسلة من الأحداث البيولوجية التي تتطور لعقود.

السمنة والاضطراب الأيضي: شركاء في الجريمة؟

تزامنت الزيادة في سرطان القولون لدى الشباب مع انتشار السمنة والسكري من النوع الثاني والاضطرابات الأيضية. السمنة ليست مجرد تراكم للدهون، بل قد تصاحبها مقاومة للأنسولين، ارتفاع مستويات الأنسولين، التهاب مزمن، واضطرابات في عوامل النمو والمناعة، وهي بيئة قد تساعد على نمو الخلايا السرطانية. تشير الدراسات الوبائية إلى علاقة قوية بين السمنة وزيادة خطر المرض، وقد تزيد السمنة في مرحلتي المراهقة وبداية البلوغ الخطر بشكل خاص.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار السمنة السبب الوحيد، فالمرض يصيب أيضاً شباباً بوزن طبيعي. النظام الغذائي الحديث، الذي يتميز بارتفاع استهلاك اللحوم المصنعة والمشروبات المحلاة والحبوب المكررة والأطعمة فائقة التصنيع، وانخفاض الألياف والحبوب الكاملة، يُعد مشتبهاً به رئيسياً. بينما ترتبط الألياف والحبوب الكاملة بانخفاض الخطر، فإن الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد من خطر الإصابة.

بكتيريا الأمعاء: هل تحمل المفتاح؟

أحد أكثر الاكتشافات إثارة هو الدور المحتمل للميكروبيوم المعوي. دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر" كشفت عن بصمات طفرية ناتجة عن مادة الكوليباكتين، وهي مادة سامة تنتجها بعض سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli). هذه البصمات كانت أكثر شيوعاً بـ 3.3 مرات لدى الأشخاص الذين شُخّصوا بالسرطان قبل سن الأربعين مقارنة بمن شُخّصوا بعد سن السبعين.

تشير هذه النتائج إلى احتمالية تعرض بعض الأشخاص خلال الطفولة أو الشباب لبكتيريا منتجة للكوليباكتين، مما يترك طفرات في خلايا القولون قد تساهم في تطور السرطان لاحقاً. وبينما لا تثبت هذه الدراسات أن الإشريكية القولونية تسبب السرطان مباشرة، إلا أنها تقدم رابطاً بيولوجياً قابلاً للقياس بين التعرض لبعض بكتيريا الأمعاء والعمر المبكر للإصابة بالمرض.

المضادات الحيوية: هل هي جزء من القصة؟

يثير هذا الاكتشاف تساؤلاً حول ما يجعل ميكروبيوم الأجيال الحديثة مختلفاً. يُدرس استخدام المضادات الحيوية، لقدرتها على تغيير النظام الميكروبي، خاصة عند التعرض المبكر أو المتكرر. بعض الدراسات وجدت ارتباطاً بين استخدام المضادات الحيوية وسرطان القولون المبكر، لكن الأدلة لا تزال غير حاسمة.

خيوط متعددة نحو السرطان

يبدو أن سرطان القولون المبكر ناتج عن تفاعل معقد بين الاستعداد الجيني، والغذاء، والسمنة، والتمثيل الغذائي، والنشاط البدني، والتدخين، والكحول، والميكروبيوم، وعوامل بيئية أخرى. تختلف المسارات التي تؤدي إلى المرض من شخص لآخر.

تأخر التشخيص: شبح يطارد الشباب

المشكلة لا تقتصر على أسباب المرض، بل تمتد إلى تأخر اكتشافه. فالشاب الذي يعاني أعراضاً قد ينسبها إلى البواسير أو القولون العصبي، وقد يكون الطبيب أقل ميلاً للتفكير في السرطان بسبب صغر سن المريض. الأعراض الشائعة تشمل النزف مع البراز، ألم البطن، وتغير عادات التبرز، وغالباً ما يتأخر التشخيص لمدة 4 إلى 6 أشهر.

لذا، فإن وجود دم متكرر في البراز، أو فقر دم غير مفسر، أو تغير مستمر في عادات التبرز، أو ألم بطني مستمر، أو فقدان وزن غير مفسر، يستوجب تقييماً طبياً شاملاً بغض النظر عن العمر.

هل يحتاج كل شاب للفحص؟

لا. فالارتفاع النسبي لا يستدعي تنظير القولون لجميع الشباب. ومع ذلك، قامت بعض الدول بخفض سن بدء الفحص، حيث توصي الجمعية الأمريكية للسرطان حالياً ببدء الفحص المنتظم للأشخاص ذوي الخطورة المتوسطة عند سن 45 عاماً.

تبقى الرسالة الأهم هي ضرورة التخلي عن فكرة أن سرطان القولون هو مرض كبار السن فقط. فهو لا يزال أقل شيوعاً لدى الشباب، ولا داعي للذعر، لكن وجود أعراض مقلقة يجب ألا يُقابل بالتجاهل بسبب صغر السن.

يدفعنا هذا اللغز العلمي إلى طرح سؤال أعمق: ما الذي تغير في بيئة الأجيال الحديثة، منذ الطفولة، في غذائها وميكروباتها، لجعل خلايا القولون أكثر عرضة للتحول السرطاني قبل عقود من العمر المعتاد؟ العلم يقترب من الإجابة، ولكنه لم يصل إليها بالكامل بعد.

التعليقات