عادت قضية منشأ فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2) لتتصدر المشهد البحثي والإعلامي، وذلك إثر صدور تقرير البيت الأبيض في أواخر يوليو/تموز الماضي، الذي أثار المزيد من التساؤلات والجدل حول الأسباب الكامنة وراء الجائحة التي اجتاحت العالم عام 2020. دفعت هذه المستجدات المهتمين والمشككين إلى الغوص مجدداً في الدراسات والأبحاث المنشورة، في محاولة لربط خيوط المعلومات وتقييم مدى صحة الفرضيات المطروحة.
يُشار إلى أن تقرير البيت الأبيض استند، في سياق تشكيكه بفرضية المنشأ الطبيعي للفيروس، إلى ورقة علمية نشرت في 17 مارس/آذار 2020 بمجلة Nature المرموقة، تحت عنوان "الأصل الأقرب لفيروس كورونا المستجد 2". استعرضت هذه الورقة تفسيرات متعددة لمنشأ الفيروس، وخلصت إلى ترجيح نشأته الطبيعية، مستبعدةً فرضية تسربه من أحد مختبرات الفيروسات في مدينة ووهان الصينية، وهي الفرضية التي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً.
فاوتشي والورقة العلمية: اتهامات وتحليلات
لم تمر الورقة العلمية ونتائجها دون جدل، خاصة فيما يتعلق بدور الدكتور أنتوني فاوتشي، المسؤول البارز عن إدارة أزمة كوفيد-19 في الولايات المتحدة. اتهم التقرير فاوتشي بالاستناد إلى هذه الورقة العلمية للترويج لفرضية المنشأ الطبيعي للفيروس، والتقليل من احتمالية التسرب المخبري. بل امتدت الاتهامات إلى ادعاءات بأنه ساهم في تسهيل نشرها وحثّ الباحثين على إعدادها، استناداً إلى مراسلات كشفت عنها وسائل الإعلام.
ففي تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" في يونيو/حزيران 2021، ظهرت مراسلات بريدية بين فاوتشي وعالم الفيروسات كريستيان أندرسون، أحد مؤلفي ورقة Nature. أظهرت الرسائل أن أندرسون أبدى في البداية شكوكاً حول منشأ الفيروس، ورجّح احتمال تعرضه لتلاعب وراثي، إلا أنه بعد فترة وجيزة شارك في نشر الورقة التي رجّحت المنشأ الطبيعي.
دلائل الطبيعة في بناء الورقة العلمية
استند الباحثون في ورقتهم إلى ملاحظتين رئيسيتين مستقاة من الأبحاث السابقة حول فيروس SARS-CoV (المسبب للسارس) ومقارنتها بتحاليل فيروس SARS-CoV-2:
- اختلاف الأحماض الأمينية: لوحظ اختلاف في خمسة أحماض أمينية من أصل ستة في منطقة الارتباط بالمستقبل (RBD) ضمن البروتين الشوكي لفيروس SARS-CoV-2 مقارنة بنظيره SARS-CoV-1. كما أن ارتباط الفيروس بمستقبل ACE2 البشري لم يكن بالقوة المتوقعة، رغم أن النماذج الحاسوبية كانت تشير إلى تسلسلات أخرى أقوى، مما اعتبر مؤشراً على التطور الطبيعي.
- تركيب فريد في البروتين الشوكي: يمتلك فيروس SARS-CoV-2 تركيباً فريداً في موضع الانشقاق بين الوحدتين S1 وS2 من البروتين الشوكي، مما يسهل دخوله للخلايا. رأى الباحثون أن هذه الخاصية قد تكون نتيجة الانتخاب الطبيعي، مستندين إلى وجود سمات مشابهة في فيروسات أخرى، وإمكانية اكتساب الفيروسات لهذه السمات عبر الانتقال بين خلايا أو حيوانات تجريبية. الملفت أن هذا التركيب غير موجود في فيروسات عائلة "بيتا" التاجية، ولكنه شوهد في فيروس إنفلونزا الطيور.
بناءً على ذلك، استبعد الباحثون فرضية التسرب المخبري المتعمد، واعتبروا أن هذه الاختلافات والتفردات تدعم فرضية التطور الطبيعي للفيروس، واقترحوا احتمال خضوعه لانتقاء طبيعي في مضيف حيواني قبل انتقاله للإنسان، أو ربما في الإنسان نفسه بعد الانتقال.
انتقادات وتحقيقات: بين العلم والسياسة
بعد نشر الورقة، واجه الباحثون اتهامات بمحاولة استبعاد فرضية التسرب المخبري لدوافع خفية. ورداً على ذلك، خضع العالمان كريستيان أندرسون وروبرت غاري لجلسة استماع أمام الكونغرس في يوليو/تموز 2023. وأوضحا أن استنتاجاتهما استندت إلى المنهجية العلمية والأدلة المتاحة آنذاك، وأنها تظل قابلة للمراجعة مع ظهور أدلة جديدة.
أثارت هذه الجلسة تساؤلات حول دور الدكتور فاوتشي، خاصة علاقته بتمويل أبحاث قد تكون مرتبطة بمعهد ووهان لعلم الفيروسات. نفى العالمان بشدة أي تدخل من فاوتشي أو كولينز (رئيس المعاهد الوطنية للصحة آنذاك) في كتابة الورقة العلمية، مؤكدين أن حضورهما كان للاطلاع والاستماع فقط.
آراء علمية متباينة
تظل قضية أصل الفيروس مفتوحة للنقاش. ففي سبتمبر/أيلول 2021، أشارت مراجعة في مجلة Cell إلى أن الفيروس ذي أصل حيواني، لكنها لم تستبعد تماماً احتمالية التسرب المخبري، وإن قللت من ضعفها. بينما أكدت دراسة أخرى في مجلة The Lancet في أكتوبر/تشرين الأول 2021 عدم وجود أدلة حاسمة تدعم أي من الفرضيتين، ودعت إلى تحقيق علمي دولي محايد لحسم الجدل.
في نهاية المطاف، يؤكد ذوو الرأي السديد أن المصلحة العليا للبشرية تقتضي اعتماد المنهجية العلمية المحضة في تتبع أصل الفيروس، بعيداً عن التجاذبات السياسية، وذلك لتجنب أزمات مستقبلية مماثلة. وحتى يظهر الحق واضحاً، تبقى الاستنتاجات مجرد تكهنات وفرضيات تتأرجح بين الأجندات المختلفة.