لم يعد فصل الشتاء في قطاع غزة مجرد فترة تتساقط فيها الأمطار وتنخفض فيها درجات الحرارة، بل بات مع قدومه عبءٌ إضافيٌّ وأخطارٌ صحيةٌ جسيمةٌ تضاف إلى سلسلة معاناة السكان بعد سنوات من الدمار والنزوح المتكرر. فواقع الحال في القطاع، من ضعف المأوى، وتلوث المياه، وتدهور خدمات الصرف الصحي، ونقص الخدمات الطبية، يجعل من موسم البرد هذا العام اختباراً قاسياً لقدرة السكان على الصمود، خاصة الأطفال.
تحذر المنظمات الدولية من أن اجتماع قسوة الشتاء والفيضانات المحتملة مع الخيام الهشة، والاكتظاظ السكاني، وسوء التغذية، قد يحوّل الأشهر المقبلة إلى جبهة جديدة من التحديات الصحية القاتلة.
ويؤكد تقرير صادر عن منظمة اليونيسف في سبتمبر/أيلول الماضي، أن ما يقارب 84% من سكان غزة، أي أكثر من 1.76 مليون نسمة، لا يزالون يقيمون في مخيمات نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة تفتقر إلى الحماية الكافية من البرد والأمطار الغزيرة والفيضانات. وتضع هذه الظروف الأطفال في دائرة الخطر المباشر للإصابة بانخفاض حرارة الجسم، والتهابات الجهاز التنفسي، والأمراض المنقولة عبر المياه، مما يسهل انتشار الأوبئة.
وبالفعل، شهد الشتاء الماضي في غزة وفاة 11 طفلاً على الأقل، بينهم رضع، بسبب انخفاض حرارة الجسم، وهي مأساةٌ تعزوها التقارير الرسمية لليونيسف إلى التأخر في الاستعداد والتحرك العاجل. وتحذر المنظمة من أن الأطفال الذين أنهكهم النزوح وسوء التغذية والأمراض المتكررة سيواجهون شتاءً قادماً، عام 2026، في ظروف صحية بالغة الخطورة.
من جهتها، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن استهداف المستشفيات خلال الحرب قد أدى إلى توقف جزئي أو كلي لعمل 18 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى كانت تعمل قبل الحرب. هذا التدهور الحاد في الخدمات الصحية، إلى جانب اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، يرفع معدلات الوفيات نتيجة عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الصحية الملحة.
وتُبرز منظمة أطباء بلا حدود انتشار أمراض جلدية مثل الجرب، المرتبطة مباشرة بسوء الأحوال المعيشية ونقص المياه النظيفة الضرورية للنظافة الشخصية، بالإضافة إلى نقص مواد التطهير. وتُشكل أمراض الإسهال المائي والتهابات الجهاز التنفسي ما نسبته 17.5% من إجمالي الاستشارات الطبية، وتزداد حدتها مع انخفاض درجات الحرارة ونزول الأمطار التي تغمر المخيمات دون تصريف مناسب.
وفاقمت الأمطار المتوقعة، التي تتراوح بين 450 و500 مليمتر، بالإضافة إلى الرياح القوية والأمواج العالية، الأزمة الإنسانية، خاصة مع إقامة مئات الآلاف من النازحين في خيام مؤقتة لا توفر الحماية الكافية. ويتزامن ذلك مع تحديات بيئية خطيرة، منها تجمع مياه الصرف الصحي وتراكم نصف مليون طن من النفايات، بما في ذلك النفايات الطبية الخطرة، مما يزيد من احتمالات تلوث المياه وانتشار الأمراض.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن مستوى التعرض للأخطار المناخية ارتفع بشكل حاد منذ بدء الحرب، من 60% قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 90% مطلع عام 2026. وهذا يعني أن غالبية السكان باتوا عرضة في آن واحد لأخطار الفيضانات، وتلوث البيئة، وانتشار الأمراض المعدية، والأضرار الناجمة عن الرياح والعواصف الساحلية.
وترى المنظمة أن تزامن النزوح الجماعي مع هذه الظروف المناخية أنتج أزمة إنسانية مركبة، تتداخل فيها الأخطار الصحية والبيئية بشكل غير مسبوق، مما يزيد من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة خلال فصل الشتاء دون اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من آثارها. تتطلب هذه المواجهة إنشاء أنظمة إنذار مبكر، واختيار مواقع آمنة لمراكز الإيواء، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية.
تُقدر مجموعة المأوى (Shelter Cluster) حاجة 1.5 مليون شخص لمواد خاصة بالمأوى ومستلزمات منزلية أساسية لمواجهة برد الشتاء. وتدعو اليونيسف، في تقرير لها، إلى توفير 97.5 مليون دولار أمريكي لحماية 540 ألف طفل وأسرهم من الظروف الشتوية القاسية.
ويؤكد جوناثان فيتش، الممثل الخاص لليونيسف في دولة فلسطين، أن فصل الشتاء يمثل تهديداً إضافياً لبقاء الأطفال وسلامتهم. وتركز استجابة اليونيسف الشتوية على حماية الأطفال والأسر المتضررة من النزوح، ونقص المأوى، والتعرض للفيضانات والبرد القارس.
تشمل المساعدات العاجلة التي تحتاجها اليونيسف، الملابس والبطانيات الحرارية، وتعزيز الملاجئ، وتوفير الخيام، وتنظيف الطرق وشبكات الصرف الصحي، وإزالة النفايات، وعزل المراحيض، بالإضافة إلى حملات التوعية الصحية والسلامة.
من جانبه، يشير الدكتور إسلام عنان، خبير اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، إلى أن العدوان الإسرائيلي قد أدى إلى تدهور البنية التحتية الصحية، مما حد من الوصول إلى الرعاية والإمدادات الطبية الأساسية. ويشدد على ضرورة وجود آلية مستدامة لإرسال المساعدات الطبية لمنع تفشي الأمراض وعلاج الإصابات وإدارة الحالات المزمنة.
ويضيف عنان أن هناك نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، بما في ذلك أكياس الدم، والأدوية الأساسية، واللقاحات، ومحاليل معالجة الجفاف، وأدوية الإسهال، التي تعتبر ضرورية لمواجهة الأمراض الناتجة عن نقص الغذاء والمياه النظيفة.
ينبه عنان إلى ضرورة توفير أدوات وفلاتر لتنقية المياه، على غرار تلك المستخدمة في أفريقيا، لتمكين السكان من الحصول على مصادر مياه نظيفة، وتقليل انتشار الأمراض الناتجة عن سوء النظافة.
كما يؤكد على أهمية حماية وصول المساعدات العاجلة لتفادي انتشار الأمراض المعدية بسبب الاكتظاظ وسوء الصرف الصحي وضعف مراقبة الرعاية الصحية، مشدداً على أن حملات التطعيم الاستراتيجية ومراقبة الأمراض جزء لا يتجزأ من خطة الإغاثة.