في زحام شوارع نيويورك عام 1898، بزغ نجم طفل هادئ الملامح، لا يوحي ظاهره بشيء خارق، لكنه كان يحمل بين جنباته عقلية ستُغير وجه القرن العشرين. إنه ويليام جيمس سيديس، الطفل الذي وُلد بذكاء أسطوري، ليصبح عبقرية العصر، وليواجه لعنة العبقرية التي غالبًا ما تطارد أصحابها. لم يكن سيديس كغيره من الأطفال، فقد بدأت عجائب عقله تتجلى منذ نعومة أظفاره.
ولد في بوسطن لعائلة يهودية من أصول أوكرانية، وكان والداه، بوريس وسارة سيديس، من المثقفين؛ فالأب طبيب نفسي شهير، والأم طبيبة. حرص الوالدان على تلقين طفلهما التعليم المنزلي منذ صغره، وكانت النتائج مذهلة. ففي سن ستة أشهر فقط، بدأ يتفاعل مع الحروف والكلمات، وفي الثامنة عشرة شهراً، كان يقرأ الصحف الإنجليزية بطلاقة، بينما كان أقرانه بالكاد ينطقون أسماءهم. كرّس والداه حياتهما لتنمية قدراته، فتشكلت أسطورة بشرية فريدة.
مسيرة عبقرية تفوق الوصف
في سن الرابعة، درس سيديس اللاتينية، وبحلول الثامنة، لم يكن يتقن الكتابة والقراءة بعدة لغات منها اللاتينية، اليونانية، الفرنسية، والروسية فحسب، بل اخترع لغة جديدة تماماً أطلق عليها اسم "فيندرجود"، ووضع قواعدها بنفسه. لفت عقله النير انتباه جامعة هارفارد، ورغم رفضهم المبدئي لصغر سنه، إلا أنهم رضخوا أمام عبقريته غير المسبوقة. فقد اجتاز امتحانات هارفارد الطبية وامتحان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وهو في الثامنة من عمره!
في التاسعة من عمره، أصبح أصغر طالب على الإطلاق في جامعة هارفارد. وفي عام 1909، وعمره 11 عامًا، بدأ يلقي محاضرات في الرياضيات المتقدمة لطلاب الدكتوراه، وهو لا يزال طفلاً يجلس على مقعد خشبي أعلى من طوله. برزت محاضرته في "الرياضيات الرباعية الأبعاد"، وحازت على إعجاب علماء مرموقين مثل نوربرت فينر وكارل فريدريش غاوس. كان يمتلك ذاكرة فوتوغرافية، ويُقال إنه كان قادرًا على تعلم لغة جديدة في يوم واحد، وقد أتقن أكثر من 40 لغة ولهجة.
اهتمامات متنوعة وكتابات سبقت عصرها
لم تقتصر اهتمامات سيديس على الرياضيات واللغات، بل امتدت لتشمل مجالات أخرى كالتاريخ الأمريكي، والنقل العام، والصياغة اللغوية. كتب العديد من الكتب، ونشر بعضها بأسماء مستعارة. من أبرز أعماله:
- "The Animate and the Inanimate" (1925): ناقش فيها موضوع الثقوب السوداء والانعكاسية الزمنية للحرارة، قبل أن يتعرف عليها العالم عالمياً بـ 14 عاماً.
- "The Intriguing Paradox of Time": دراسة في التاريخ الأمريكي.
- "The Disquisition on the Origin of the Negro Race": دراسة حول أصول العرق الأسود.
- "The Human Species": محاولة فريدة لإعادة كتابة تاريخ أمريكا من وجهة نظر السكان الأصليين، بعيداً عن السردية الأوروبية الاستعمارية.
عبقرية أصبحت عبئًا
لكن عبقرية سيديس لم تكن نعمة كاملة. بعد سنوات من الأضواء والانبهار الإعلامي، شعر بالضيق من ضغط الشهرة. بدأ يتوارى عن الأنظار، وعمل في وظائف بسيطة، وابتعد عن عالم الأبحاث. رغم أنه عاش حياة قصيرة نسبيًا، وتوفي في سن السادسة والأربعين بسبب نزيف دماغي عام 1944، إلا أن قصته بقيت حية كأحد أكثر العقول النادرة التي مرت في التاريخ.
قُدّر ذكاؤه بما بين 210 و300 وفق بعض المصادر، مما جعله يوصف بأنه أذكى من آينشتاين. ولكن، ورغم عبقريته، يشير كثيرون إلى أنه كان مثالاً مأساوياً لكيف يمكن للضغط الزائد وافتقاد الدعم الاجتماعي أن يدفع العباقرة نحو العزلة والندم. أثارت قصته نقاشاً حول تأثير التربية المكثفة على الأطفال الموهوبين، وأهمية التوازن بين العمل الأكاديمي والحياة الاجتماعية، وضرورة حماية الصحة النفسية والمزج بين التعليم والتنمية الاجتماعية لدى الأطفال الموهوبين.
ليست كل العبقريات تبحث عن مجد أو شهرة؛ أحيانًا يكون العبقري طفلاً صغيرًا لا يريد سوى أن يقرأ كتابًا في هدوء، بينما يحاول العالم أن يصنع منه معجزة تمشي على قدمين.